ادارة الاختلاف الجزء الأول
ثمة حقيقة يجب إدراكها في إدارة المجتمع والسعي نحو تحقيق الاحتياجات ووضع الحلول والمعالجات للمشاكل الاجتماعية، وهي الاختلاف بين الناس. أن الاختلاف سنة أودعها الله عز وجل في الكون ليعلم الإنسان انه في حاجة أخيه الإنسان وانه لا يستطيع أي كان الاستغناء عن الآخرين. ولذا لم يخلق الله الناس امة واحدة بل جعلهم شعوب وقبائل ليتعارفوا. ان من رحمة الله بعبادة الم يخلقهم متشابهين لأن في ذلك تعطيل لدافعية الناس نحو إعمار الأرض والسعي لتحقيق مصالحهم وهو أمر مطلوب شرعا. فالاختلاف يدفع الناس بعضهم ببعض ويبعث روح التنافس الجماعي الذي يستوجب تعاونهم لان كل إنسان لدية خاصية وميزة تفضيلية يحتاجها الآخرون، وبذلك تكون حركة الحياة مستمرة لا تتوقف عند حد من التطور والرقي الإنساني.
إن حتمية عيش الناس مع بعضهم البعض يستوجب نظاما يحقق التعايش السلمي بينهم ويلبي مصالحهم المشتركة. ان حقيقة الاختلاف بين الناس في ما يحتاجونه ويرغبونه ويعتقدونه يجب ان تكون حاضرة في الذهن عند اي محاولة للبحث عن صيغ للتعايش الجماعي. وجوهر ذلك والمبدأ الأساس هو تطوير نظام يحقق التوازن بين الآراء والاتجاهات المختلفة ويوصل الى حلول توافقية ترضي جميع الأطراف وليس بالضرورة تعظيم رضاهم.
حلول تجعل الجميع يصل إلى منتصف الطريق ويلتقي بالآخرين. وفي النظام الإسلامي يكون المسعى والدافع لتحقيق ذلك التقوى. فتقرير أن الناس شعوب وقبائل يحتم اختلافهم وتبعا كان لابد أن يتعارفوا حتى يفهم كل طرف الآخر ويتيح فرصة التعايش فيم بينهم. كما أن التفاوت فيم بينهم في المرتبة وما يقتضيه ذلك من وزن لأرائهم مبني على درجة التقوى عند الفرد أو الجماعة “إن أكرمكم عند الله اتقاكم.
أي أن التفاوت في تسيد رأي على الآخر ليس مردة القدرة المالية ولا الجاه ولا السلطان، وإنما درجة توافق القرار أو الرأي بتقوى الله. ان الاختلاف أمر محمود لأنه يوجد التكامل بين الناس ويهيئ لأوضاع مربحة للجميع. فالمرء وحتى الجماعات بل الشعوب لا تستطيع العيش بدون الآخرين فالكل محتاج للكل. لكن الاختلاف أمر سيئ وممقوت إذا تحول إلى خلاف وسيطرة الأنانية البغيضة على المتحاورين
وأصبح الهم والدافع تحقير وتسفيه آراء بعضهم البعض، وبالتالي عدم التحرك إلى منتصف الطريق لمقابلة الآخرين والسماع منهم بعقلية منفتحة تبحث عن الحقيقة والمصلحة الجماعية دافعها في ذلك تقوى الله وليس الانتصار للنفس مهما كان الثمن وبأي طريقة كانت. فأي تحاور وتفاوض بين طرفين لا يكون أساسه النوايا الحسنة وتقوى الله محكوم علية بالفشل، لأنة لا يوصل إلى التوازن المطلوب بين الأطراف وواقع يرتضونه ويحقق مصالحهم ويلبي احتياجاتهم بشكل عادل. بل ان أي تحاور لا يكون منطلقا من مفهوم أن هناك مساحة كبيرة تستوعب جميع الآراء وتسمح بكثير من المداخلات وقناعة بان كل رأي يضيف ويحسن لرأي الأخر يكون تحاورا غير مجدي ولا يحدث التغيير المرجو ولا التوازن المطلوب. ومعلوم أن حالة عدم التوازن مسألة وقتية لا تلبث أن تعاود البحث عن التوازن مرة أخرى. وأخشى أن البحث عن التوازن طريق صعب وتجربة اجتماعية شاقة يكون لها من الآثار السيئة والتداعيات الخطيرة التي تهدد السلم الاجتماعي وتحدث شروخا في بناء المجتمع وتوجد نزاعات وتحزبات تضر ولا تنفع وتضعف ولا تقوي وتذكي روح التطرف والتباعد بدلا من التقارب والتعاون حتى يتحقق الناس ألا مناص من التعاون والالتقاء في منتصف الطريق.
ادارة الاختلاف-1